محمد بن علي الشوكاني
5078
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وبين أن يدخل مكة . قال ابن كثير ( 1 ) وهو الأظهر ؛ لأنه لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى شرع في ذم المشركين ، فهذه الأقوال كما ترى ، ولم يذكر أنها نزلت في اليهود ، وإنما استدل القاضي بها ؛ لأن العام لا يقصر على سببه ، وفيه الخلاف المشهور في الأصول ، فإن تقرر عنده ذلك فله الاستدلال بها . الطرف الثاني : أنه قال : إن تعيين ما به الخزي لا يكون إلا توفيقا ، وقد سبقه إلى كون الخزي في الدنيا أعم من ذلك ابن كثير ( 2 ) لكن نقول : من جعل الآية عامة للنصارى واليهود فسر الخزي لكل ما يليق به ويناسبه ، ففسر السدي وعكرمة ووائل بن داود الخزي في الدنيا المهدي ( 3 ) وفسره ( 4 ) قتادة بأداء الجزية وهم صاغرون ، فهذه الأقوال المحكية عن السلف محتملة للتوقيف ، ومحتملة للوقف ، لكن الحمل على الطرف الأول أولى ، حملا لهم على السلامة من أن يقولوا في كتاب الله برأيهم . والثاني : فهو الوقف إن كان نظرهم أدى إلى ذلك فذلك مراد الله منهم أنه قال جل وعلا : { لهم في الدنيا خزي } ففهموا أنه إذا حصل أي خزي عظيم فقد كفى ، إذ بحصول خزي واحد يصدق أن لهم خزي أي واقع بهم ، أو وقع فتصدق الآية عليه . ولو كان المطلوب منا كل خزي ، أو خزي معين عنده تعالى لا نعرفه نحن ، وطلب الشارع منا إصابته لكان في ذلك من الحرج والمشقة ما لا يخفى ، إذ لا يمكن إنزال كل خزي بهم ، ولا نعرفه أنه لم يبق خزي في الدنيا إلا أنزلناه بهم ، إذ تحوز العقل أن الخزي المراد لله سبحانه وتعالى لم يصادفه ولم يصبه ، فلا يزال يتطلب ذلك ، ويلزم من ذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لم ينزل بهم الخزي الذي أراده ، ولا أحد من صحابته
--> ( 1 ) في تفسير ( 1 / 388 ) . ( 2 ) في تفسيره ( 1 / 390 ) . ( 3 ) ذكره ابن كثير في تفسيره ( 1 / 390 ) . ( 4 ) ذكره ابن كثير في تفسيره ( 1 / 390 ) .